تلافيت نصر الدين إذ كاد يتلف – لسان الدين الخطيب

تلافيت نصر الدين إذ كاد يتلف … وأنجزت وعد الحق وهو مسوف

وأنشئت في أفق العلا سحب الندى … وسقيت روض المجد فهو مفوف

وجمعت أسباط المكارم والعلا … وناديت لا تثريب إذ أنت يوسف

وقر سرير الملك لما حللته … ولو لم تشد أرجاؤه كاد يرجف

دعتك قلوب الناس إذ عم جدبها … ولح الأسى فيها وجل التأسف

فأطللت غيثا في سماء عجاجة … ترى دلوها شهب الأسنة تقذف

تهب رياح النصر في جنباتها … رخاء ورعد الطبل خلفك يقصف

فما كنت إلا رحمة الله أرسلت … فأينع معتر وأخصب معجف

فقر بك الإسلام عينا ولم يزل … يعدك للجلى ويسعى فتسعف

فلله من يوم أغر محجل … لحزب الهدى قدما إليه تشوف

أرى الدين دين الله ما كان يرتجي … ودافع عن أهليه ما يتخوف

فيا حضرة للعدل أصبحت روضة … بأنوارها روض الهداية يتحف

ويا كعبة الملك التي بركاتها … تفيض على زوارها وتوكف

ليهنيك منصور اللواء مؤيد … بحار الندى من جود كفيه تغرف

همام إذا ما عاين القرن سيفه … فموعده الحشر الذي ليس يخلف

وأقسم لو رام الثريا لنالها … بعزم اقتدار ما لها عنه مصرف

وصول إلى الغايات يرجى ويتقى … كريم السجايا لم يشبه التكلف

يؤلف بالحسنى قلوبا تفرقت … يفرق بالإحسان ما لا يؤلف

أمولاي إني عبد نعمتك الذي … عليك ثنائي ما حييت موقف

وما الشعر إلا بعض نعماك إنه … وإن راق من أزهار مجدك يقطف

تكفلت بالإحسان بدءا وعودة … فخير تسنيه وشعر تشرف

بلغت بإمداحي لملكك رتبة … تطل على أوج السماك وتشرف

وأحرزت في شأو امتداحك غاية … تقرر مداح الملوك فتنصف

أجرر ذيلي عند ذكر جريرها … بيانا فلا أهفو ولا أتوقف

وأنتعل الجوزاء عجبا وإن غدت … تقرط آذان بها وتشنف

وماذا عسى بثني فصيح وشاعر … وماذا عسى يحصي كلام مزخرف

وأنت أبا الحجاج حجة ديننا … بك الله يجلو الشك والسوء يصرف

وأنت ابن أنصار الهدى وحماته … هنيئا لهم هذا الثناء المخلف

نحوا نحو باب للعلا فعلا بهم … على السنن المرضي والعدل يعطف

شعارهم علم وحلم ونائل … وحرب ومحراب وسيف ومصحف

فكم أطلعوا في الحرب من نجر صارم … يعفر آناف الطغاة ويرعف

وكم عائل أغنوا وكم خائف حموا … وكم معدم أثروه جودا وأترفوا

بعثت إلى أرض العدا بكتيبة … تكاد بها شمس الظهيرة تكسف

قبائل أدواها السرى فتنكرت … ولكنها عند الكريهة تعرف

تقود إليهم كل أجرد سابح … تهد به شم الهضاب وتنسف

تكبر عن لبس الحديد إلى الوغى … فقام مقام الدرع برد ومطرف

تنكب عنها البيض وهي بواتر … ويقصر عنها السمهري المشقف

وما كل زند يحمل الكف ساعدا … ولا كل مصقول السفاسق مرهف

فجاست أقاصي أرضهم وتعسفت … غنائمهم لله ذاك التعسف

فأبصر ملك الروم منك مؤيدا … إذا هم لأوان ولا متخلف

فسالم إشفاقا وكف تخوفا … وعف فما أنجاه ذاك التعفف

ووجه يستجدي علاك رسوله … وكاتب يستدني رضاك ويلطف

وأقبل لا يدري إلى النجم يرتقي … أم إلى البحر يبغي أم إلى البيت يدلف

يؤمل تقبيل البساط ومن له … به وبروق الهند عينيه تخطف

وقد جنحوا للسلم فاجنح تفضلا … فما منهم عين من الرعب تطرف

فلا برحت أيامك الغر تقتفي … بك الفتح والآمال لا تتوقف

ولا زالت الأملاك تأتيك خضعا … ولا زلت بالإحسان والعفو تكلف

وينشد من يأتي لبابك وافدا … تلافيت نصر الدين إذ كاد يتلف