بَغْدَادُ فَاهْبِطْ أَيُّهَا النَّسْرُ – خليل مطران

بَغْدَادُ فَاهْبِطْ أَيُّهَا النَّسْرُ … لاَ زِينةَ اليَوْمَ وَلاَ بِشْرُ

عُدْتَ بِمَن ضَاقَ رَحِيبُ المَدَى … بِه لِيَسْتَوِدعَهُ قَبْرُ

فَلْتَسْتَرِحْ مِنْ فَرْطِ مَا جُشِّمَتْ … مِنْ عَزْمه الأَجْنِحَةُ الغُبْرُ

مَا زَالَ جَوَّابَ سَمَاءٍ بِهَا … يَخُطُّ سَطْراً تِلوَهُ سَطْرُ

مُخَلِّداً مَا شاءَ تخْلِيدَهُ … في المَجْدِ حَتَّى خُتِمَ السِّفْرُ

آبَ إِيَاباً لَمْ يُتَحْ لامْرِئٍ … أُعْظِمَ فِي الدُّنْيَا لَهُ قدْرُ

فِي الغَرْبِ وَالشَّرْقِ لَهُ مَشْهَدٌ … وَمَرْكَبَاهُ البَحْرُ وَالبَرُّ

وَتَارَةً يَحْمِلُهُ طَائِرٌ … بِه ضِرَامٌ وَلَهُ زَفْرُ

وَالحَشْدُ لِلتَّشْيِيعِ فِي مَوْقِفٍ … ضَنْكٍ كأَنَّ المَوْقِفَ الحَشر

تَكْرِمَةٌ مَا نَالهَا غيْرُهُ … فِي مَا إِلَيْه يَنْتَهِي الذِّكرُ

وَاحَرَبَا إِنَّ الهُمَامَ الَّذي … أَبْقَى عَليْهِ اللُّجُّ وَالقفْرُ

وَخاضَ هَوْلَ الحَرْبِ ثمَّ انْثنى … مُضاحِكاً أَعلاَمَهُ النَّصْرُ

وَأَنِسَ الطَّيْرُ إِلَى قُرْبِهِ … وَأَلِفَتْ كَرَّاتهِ الزُّهْرُ

أَوَى إِلى وَكْرٍ عَلَى شاِمخٍ … فَخانَهُ فِي المَأْمَنِ الوَكْرُ

فجِيعَةٌ فِي نَوْعِهَا فذَّةٌ … كأَنّهَا مِنْ بِدْعِهَا بِكْرُ

تَصَوَّرَ المَوتُ بِهَا صُورَةً … أَفْحَشَ فِي تَنْكِيرِهَا النُّكْرُ

فَمَا تَرَى مِنْ هَوْلِهَا صَاحِياً … إِلاَّ كَمَنْ ضَعْضَعَهُ السُّكرُ

نَاهِيكَ بِالحُزْنِ وَتَبْرِيحِهِ … بِالنَّفْسِ إِن خَالَطَهُ الذُّعْرُ

ثَوَى المَلِيكُ القُطْبُ فِي حِينِ لاَ … رَبْعٌ خَلاَ مِنْهُ وَلاَ قُطْرُ

إِنْ تبْكِ عَدْنانُ فَأَخْلِقْ بِهَا … هَلْ بَعْدَ مَا حَلَّ بِهَا خُسْرُ

ذَرْهَا تُقِمْ مَأْتَمَهَا شامِلاً … كُلَّ بَنِيهَا فَلهَا عُذْرُ

فَارَقَهَا مَنْ يَدُهُ عِنْدَهَا … يَعْجِزُ عَنْ إِيفَائِهَا الشُّكْرُ

بِنُوِرهِ شُقَّتْ دَيَاجِيرُهَا … وَرُدَّ مِنْ ضِلَّتِه الفَجْرُ

وَجُدِّدَتْ دَوْلَتُهَا بَعْدَ أَنْ … أَنْكَرَ فِيهَا عَيْنَهُ الإِثْرٌ

يَا ابْنَ حُسَيْنٍ وَحُسَيْنٌ لَهُ … فِي عِزِّهَا المُؤْتَنَفِ الفَخْرُ

وَيَا أَخا الصِّنْوَيْنِ مِنْ دَوْحَةٍ … زَكَّى جَنَاهَا العَصْرُ فَالعَصْرُ

سُلاَلَةٌ مِنْ هَاشِمِ نَجْرُهَا … لِسَادَةِ الشَّرْقِ هُوَ النَّجْرُ

كُنْتَ عَنِ المُنْجِبِ تَأْسَاءَهَا … وَالإِخْوَةُ الصُّيَّابَة الغُرُّ

فَاليَوْمَ ثَنَّى بِكَ عَادِي الرَّدَى … كَأَنَّهُ يَحْفِزُهُ وِتْرُ

فِيمَ تَجَنِّيهِ وَمَا وِزْرُكُمْ … أَنَهْضَةُ العُرْبِ هِيَ الوِزْرُ

أَيَوْمَ بَلَّغْتَ العِرَاقَ المُنَى … فَالحُكْمُ شورَى وَالحِمَى حُرُّ

وَيَوْمَ لَمْ يَبْقَ لِمُسْتَعْمِرٍ … فِي أَهْلِهَا نَهْيٌ وَلاَ أَمْرُ

وَيَوْمَ تَرْجُو أُمَمُ الضَّادِ أَنْ … يَضُمُّهَا المِيثَاقُ وَالأَصْرُ

يَغُولُكَ البَيْنُ وَلَمْ تَكْتَهِلْ … وَلَمْ يُصَوَّحْ عُودُكَ النَضْرُ

مَنْ يَبْغِ فِي الدُّنْيَا مِثَالاً لِمَا … يَبْلغ مِنْهَا الفَطِنُ الجَسْرُ

وَمَا بِهِ يَغْصِبُ مِنْ دَهْرِهِ … مَضَنَّةً يَمْنَعُهَا الدَّهْرُ

فَدُونَهُ سِيرَةُ قَيْلٍ رَمَى … مَرْمىً وَفِي مَيْسُوِرِه عُسْرُ

مَنَالُهُ صَعْبٌ وَأَنْصارُهُ … جِدُّ قَلِيلٍ وَالعِدَى كُثْرُ

سَمَا إِلى عْرشٍ فَلَما كَبَا … بِه وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ ظَهْرُ

سَمَا إِلى آخَرَ لاَ رُسْغُهُ … وَاهٍ وَلاَ يُرْزِحُهُ الوِقْرُ

وَأَيُّ مَطْلُوبٍ عَزِيزٍ نَأَى … لَمْ يُدْنِهِ الإِيمَانُ وَالصَّبْرُ

بَغْدَادُ عَادَ العِزُّ فِيهَا عَلَى … بدْءٍ وَلأْياً قُضِيَ الثَّأْرُ

بُلِّغَ فِيهَا فَيصلٌ سُؤلَهُ … واعْتَذَرَتْ أَيَّامُهُ الكُدْرُ

بَايَعَهُ القَوْمُ وَمَا أَخْطَأُوا … فِي شَأْنِهِ الحَزْمَ وَمَا اغْتَرُّوا

وَأَكَّدَ البَيْعَةَ إِيمَانُهُمْ … بِأَنَّهُ العُدَّةُ وَالذُّخْرُ

مُعْجِزَةٌ جَاءَ بِهَا مُقْدِمٌ … لاَ فَائِلُ الرَّأْيِ وَلاَ غِمْرُ

يَخَالُ مَنْ يَقْرَأُ أَنْبَاءَهَا … أَنَّ الَّذِي يَقْرُؤُهُ شعْرُ

أَجَلْ هُوَ الشِّعْرُ وَلَكِنَّهُ … حَقِيقَةٌ تُلمَسُ لاَ سِحْرُ

مَا جَهِلَتْ خَيْلُ العِدَى فيْصَلاً … وَالطَّعْنُ فِي لَبَّاتِهَا هَبْرُ

وَمَا بَدَتْ فِي النَّقْعِ أَسْيَافُهُ … إِلاَّ وَقدْ بَشَّ بِهَا ثَغرُ

مَوَاقِفٌ نالَ بِهَا وَحْدَهُ … مَا لاَ يُنِيلُ العسْكرُ المَجْرُ

أَسْعَدَهُ الرَّأْيُ بِهَا حَيْثُ لاَ … تُسْعِدُهُ بِيضٌ وَلاَ سُمْرُ

أَغْلَى كُنُوزِ الشَّرْقِ فِي نَفْسِهِ … وَكَفُّهُ مِنْ دِرْهَمٍ صِفْرُ

لَكِنَّ أَسْمَى فتْحِهِ لمْ يَكنْ … مَا غَصَبَ الكَرُّ أَوِ الفَرُّ

بَلْ هُوَ مَا هَيَّأَهُ حَزْمُهُ … وَجَأْشُهُ الرَّابِطُ وَالفِكْرُ

مَا شِئْتَ قُلْ فِي فَيْصَلٍ إِنَّهُ … بَحْرٌ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ الدُّرُّ

سَلْ عَارِفِيهِ تَدْرِ مَا شَأْنُه … إِنْ يُرْجَ فَضْلٌ أَوْ يُخَفْ ضُرُّ

رُجُولَةٌ تَمَّتْ فَلاَ بِدْعَ أَنْ … يُورَدَ مِنْهَا الحُلوُ وَالمُرُّ

أَلخُلُقُ اللَّيِّنُ يُلْفَى بِهِ … فِي حِينِهِ وَالخُلُقُ الوَعْرُ

يَكْلَفُ بِالخَيْرِ وَفِي طَبْعِهِ … تَكَلُّفٌ إِنْ يُحْتَمِ الشَّرُّ

وَلِلعُداةِ الغَمْرُ مِنْ بَأْسِهِ … وَلِلوُلاَةِ النَّائِلُ الغمْرُ

هَذَا إِلى عَقْلٍ رَفِيعٍ إِلى … قَلْبٍ كَبِيرٍ مَا بِهِ كِبْرُ

إِلى سَجَايَا لَمْ يَشُبْ صَفْوَهَا … فِي حادِثٍ خَبٌّ وَلاَ غَدْرُ

إِلى وَفَاءٍ نَادِرٍ قَلَّمَا … حَقَّقَهُ فِي عَاهِلٍ خُبْرُ

إِلى سَخَاءٍ لَمْ يَضِرْ ظَرْفَهُ … أَوْ لُطْفَهُ مَنٌّ وَلاَ جَهْرُ

إِلى خُلُوصٍ فِي الطَّوَايَا بِهِ … مِمَّا بِأَزْهَارِ الرُّبَى سِرُّ

تَنْشَقُهُ النَّفْسُ ذكِياً وَمَا … يَفْنى إِذَا مَا فَنِيَ العِطْرُ

فِي رَحْمَةِ اللّهِ المَلِيكُ الَّذِي … ولَّى وَلَمْ يَكْتَمِلِ العُمْرُ

ذِكْرَاهُ تَبْقَى وَهْيَ سَلَوَى لِمَنْ … فَارَقَهُمْ مَا طَلَعَ البَدْرُ

0