بَانَ الخَليطُ بَرَامَتَينِ فَوَدّعُوا، – جرير

بَانَ الخَليطُ بَرَامَتَينِ فَوَدّعُوا، … أو كلّما رفعوا لِبينٍ تَجْزعُ

رَدّوا الجِمالَ بِذي طُلُوحٍ بَعدَما … هاجَ المَصيفُ وَقَد تَوَلّى المَربَعُ

إنَّ الشواحجَ بالضحى هيّجنَني … في دارِ زَيْنَبَ وَالحَمَامُ الوُقَّعُ

نَعَبَ الغرابُ فقلتُ: بَينٌ عاجلٌ … وَجَرَى بِهِ الصُّرَدُ الغَداة َ الألمَعُ

إنَّ الجميعَ تفرقتْ أهواؤهُمْ … إنَّ النوى بهَوَى الأحبة ِ تفْجَعُ

كَيفَ العَزاءَ وَلَم أَجِد مُذ بِنتُمُ … قَلباً يَقِرُّ وَلا شَراباً يَنقَعُ

و لقدْ صَدقتُكِ في الهوى وكَذبتني … وَخَلَبْتِني بِمَواعِدٍ لا تَنْفعُ

قدْ خِفْتُ عندكمُ الوشاة َ ولمْ يكنْ … لِيُنَالَ عِنْدِيَ سِرُّكِ المَسْتَوْدَعُ

كانتْ إذا نظرتْ لعِيدٍ زينة ً … هشَّ الفؤادُ وَليسَ فيها مطْمَعُ

تَرَكَتْ حَوَائِمَ صَادِياتٍ هُيَّماً، … مُنعَ الشِّفاءُ وَطابَ هَذا المَشْرَعُ

أيامَ زينبُ لا خفيفٌ حِلمُها … هَمْشَى الحَديثِ، وَلا رَوَادٌ سَلْفَعُ

بَانَ الشّبابُ حَميدَة ً أيّامُهُ، … وَلوَ أنّ ذلكَ يُشْتَرَى أوْ يَرْجعُ

رجَفَ العظامُ منَ البِلى وتَقادَمَتْ … سنّي، وَفيَّ لمُصْلحٍ مُسْتَمْتَعُ

و تقولُ بَوْزَعُ: قدْ دببتَ على العصا … هَلاّ هَزئْتِ بغَيرنَا يا بَوْزَعُ

وَلَقَد رَأيْتُكِ في العَذارَى مَرّة ً، … و رأيتِ رأسي وهوَ داجٍ أفْرَعُ

كَيفَ الزّيارَة ُ وَالمَخاوفُ دُونَكُمْ، … و لكمْ أميرُ شناءة ٍ لا يَرْبَعُ

يا أثلَ كابَة َ لا حُرمْتِ ثَرَى النّدى … هلْ رامَ بعدي ساجرٌ فالأجرَعُ

و سقى الغمامُ منيزلاً بعنيزة ٍ … إمّا تُصَافُ جَداً، وَإمّا تُرْبَعُ

حيّوا الديارَ وسائلوا أطلالها: … هلْ تَرْجعُ الخبرَ الديارُ البَلْقَعُ

وَلَقَد حَبَستُ بِها المَطِيَّ فَلَم يَكُن … إلاّ السّلامُ ووَكْفُ عَينٍ تَدْمَعُ

لمّا رأى صَحْبي الدّمُوعَ كأنّها … سَحُّ الرَّذاذ على الرّداء اسْتَرْجَعُوا

قالوا تعزَّ فقلتُ لستُ بكائنٍ … منيَّ العزاءُ وصدعُ قلبي يُقْرَعُ

فَسَقاكِ حَيثُ حَلَلْتِ غَيرَ فَقيدَة ٍ … هَزِجُ الرّواح، ودِيَمةٌ لا تُقْلِعُ

فلقدْ يُطاعُ بِنَا الشّفيعُ لدَيْكُمُ … ونُطيعُ فيكِ مَوَدّةً منْ يشْفَعُ

هلْ تذكرينَ زمانَنا بعنيزة ٍ … و الأبرقينِ وذاكَ مالا يَرْجِعُ

إنّ الأعادِيَ قَدْ لَقُوا ليَ هَضْبَة ً … تُنْبي مَعَاولَهمْ إذا ما تُقْرَعُ

ما كنتُ أقذفُ منْ عشيرة َ ظالمٍ … إلاّ تَرَكْتُ صَفَاهُمُ يَتَصَدّعُ

أعددتُ للشعراء كأساً مُرّة ً … عنْدي، مُخالِطُها السِّمامُ المُنقَعُ

هَلاّ نَهَاهُمْ تسْعَة ٌ قَتّلْتُهُمْ، … أوْ أرْبَعُونَ حَدَوْتُهمْ فاستَجمَعُوا

كانوا كمشتركينَ لما بايعوا … خسروا وشفَّ عليهمْ فاستوضعوا

أفينتهونَ وقدْ قضيتُ قضاءهُمْ … أمْ يَصْطَلُونَ حَريقَ نَارٍ تَسْفَعُ

ذاقَ الفَرَزْدَقُ والأخَيطِلُ حَرَّهَا … وَالبَارقيُّ، وَذاقَ منْهَا البَلْتَعُ

و لقد قسمتُ لذي الرقاعَ هَديّةً … و تركتُ فيهِ وَهيّةً لا تُرْقَعُ

و لقدْ صككتُ بني الفَدَوكسِ صكة ً … فَلَقُوا كما لقيَ القُرَيدُ الأصْلَعُ

و هنَ الفرزدقُ يومَ جربَ سيفهُ … قَيْنٌ به حُمَمٌ وَآمٍ أرْبَعُ

أخزيتَ قومكَ في مقامٍ قمتهُ … وَوَجدتَ سَيفَ مُجاشعٍ لا يَقْطَعُ

لا يُعْجِبَنّكَ أنْ تَرَى لمُجاشعٍ … جلدَ الرجالِ ففي القلوبِ الخولع

و يريبُ منْ رجعَ الفراسة َ فيهمُ … رَهَلُ الطَّفاطِفِ وَالعِظامُ تَخَرَّعُ

إنا لنعرفُ منْ نجارِ مجاشعٍ … هدَّ الحفيفِ كما يحفُّ الخروعِ

أيُفايشُون وقدْ رأوا حُفّاثَهُمْ … قَدْ عَضّهُ فَقَضَى عَلَيه الأشجَعُ

أجحفتمُ جحفَ الخزيرِ ونمتمُ … وَبَنُو صَفيّة َ لَيلُهُمْ لا يَهْجَعُ

وُضِعَ الخزير فَقيلَ: أينَ مُجاشعٌ؟ … فَشَحا جَحافِلَهُ جُرَافٌ هِبْلَعُ

و مجاشعٌ قصبٌ هوتْ أجوافهُ … غروا الزبيرَ فأيَّ جارٍ ضيعوا

إنَّ الرزية َ منْ تضمنَ قبرهُ … وَادي السّبَاع، لكُلّ جنبٍ مَصرَعُ

لّما أتَى خَبَرُ الزّبَير تَوَاضَعَتْ … سورُ المدينة ِ والجبالُ الخشع

وَبَكَى الزّبَيرَ بَنَاتُهُ في مَأتَمٍ، … ماذا يردُّ بكاءُ منْ لا يسمَعُ

قالَ النّوَائحُ منْ قُرَيْشٍ: إنّمَا … غدَرَ الحُتَاتُ ولَيّنٌ والأقرَعُ

تَرَكَ الزّبَيرُ، على مِنًى لمُجَاشعٍ، … سُوءَ الثنَاء إذا تَقَضّى المَجْمَعُ

قتلَ الأجاربُ يا فرزدقُ جاركم … فَكُلُوا مَزَاودَ جاركُمْ فتَمَتّعُوا

أحُبَاريَاتِ شَقَائقٍ مَوْليّة ٍ … بالصّيْف صَعْصَعَهُنّ بازٍ أسْفَعُ

لَو حَلَّ جارُكُمُ إِلَيَّ مَنَعتُهُ … بالخيلِ تنحطُ والقنا يتزعزعُ

لحمى فوارسُ يحسرونَ دروعهمْ … خَلْفَ المَرافق حينَ تَدمى الأذرُعُ

فاسألْ معاقلَ بالمدينة ِ عندهمْ … نُورُ الحُكومَة وَالقَضَاءُ المَقْنَعُ

منْ كانَ يذكرُ ما يقالُ ضحى غدٍ … عنْدَ الأسنّة ، وَالنّفُوسُ تَطَلَّعُ

كَذَبَ الفَرَزْدَقُ، إنّ قَوْمي قَبلهمْ … ذادوا العدوَّ عنِ الحمى فاستو سعوا

مَنَعوا الثّغورَ بعارضٍ ذي كَوْكَبٍ، … لولا تقدمنا لضاقَ المطلع

إنّ الفَوَارسَ يا فَرَزْددَقُ قَد حَمَوْا … حسباً أشمَّ ونبعة ً لا تقطع

عَمْداً عَمَدْتُ لمَا يَسوء مُجاشعاً، … و أقولُ ما لعلمتْ تميمٌ فاسمعوا

لا تتبعُ النخباتُ يومَ عظيمة ٍ … بُلِغَتْ عَزَائِمُهُ، وَلَكنْ تَتْبَعُ

هَلاّ سَألْتَ بَني تَميمٍ: أيُّنَا … يَحْمي الذِّمَارَ، وَيُستَجارُ فيُمنَعُ

منْ كانَ يستلبُ الجبابرَ تاجهمْ … وَيَضُرّ، إذْ رُفعَ الحَديثُ، وَيَنفَعُ

أيفايشونَ ولمْ تزنْ أيامهمْ … أيّامَنَا، وَلَنَا اليَفَاعُ الأرْفَعُ

منا الفوارسُ قدْ علمتَ ورائسٌ … تهدى قنابلهُ عقابٌ تلمع

و لنا عليكَ إذا الجباة ُ تفارطوا … جَابٍ لَهُ مَدَدٌ وَحَوْضٌ مُتْرَعُ

هَلاّ عَدَدَتَ فَوَارساً كَفَوَارسي، … يَوْمَ ابنُ كَبشَة َ في الحديد مُقَنَّعُ

خضبوا الأسنة َ والأعنة َ إنهمْ … نالوا مكارمَ لمْ ينلها تبعُ

وَابنَ الرِّبَابِ بذاتِ كَهْفٍ قَارَعُوا … إذْ فضَّ بيضتهُ حسامٌ مصدعُ

و اسنزلوا حسانَ وابني منذر … أيامَ طخفة َ والسروجُ نقعقع

تلكَ المكارمُ لمْ تجدْ أيامها … لمجاشعٍ فقفوا ثعالة َ فارضعوا

لا تظمأونَ وفي نحيحٍ عمكمْ … مَرْوى ً، وَعندَ بَني سُوَيْدٍ مَشبَعُ

نزفَ العروقَ إذا رضعتمْ عمكمْ … أنْفٌ بهِ خَثَمٌ وَلَحْيٌ مُقنَعُ

قتلَ الخيارَ بنو المهلبِ عنوة ً … فخذوا القلائدَ بعدهُ وتقنعوا

وطيءَ الخيارُ ولا تخافُ مجاشعٌ … حتى تحطمَ في حشاهُ الأضلعُ

و دعا الخيارُ بني عقالٍ دعوة ً … جزعاً وليسَ غلى عقالٍ مجزع

لوْ كانَ فاعترفوا وكيعٌ منكمْ … فزعتْ عمانُ فما لكمْ لمْ تفزعوا

هتفَ الخيارُ غداة َ أدركَ روحهُ … بِمُجَاشٍع وَأخُو حُتَاتٍ يَسمَع

لا يَفْزَعَنّ بَنُو المُهَلَّبِ، إنّهُ … لا يُدْرِكُ التِّرَة َ الذّلِيلُ الأخضَعُ

هذا كَما تَرَكُوا مَزَاداً مُسْلَماً، … فكأنما ذبحَ الخروفُ الأبقع

زَعَمَ الفَرَزْدَقُ أنْ سيَقتُلُ مَرْبَعاً؛ … أبْشِرْ بطُولِ سَلامَة ٍ يا مَرْبَعُ

إنَّ الفرزدقَ قدْ تبينَ لؤمهُ … حيثُ التقتْ حششاؤهُ والأخدع

حوقَ الحمارِ أبوكَ فاعلمْ علمهُ … و نفاكَ صعصعة ٌ الدعيُّ المسبعُ

و زعمتَ أمكمُ حصاناً حرة ً … كَذِباً، قُفَيرَة ُ أُمُّكُمْ وَالقَوْبَعُ

وَبَنُو قُفَيرَة َ قَدْ أجَابُوا نَهْشَلاً … باسمِ العبودة ِ قبلَ أنْ يتصعصعوا

هَذي الصّحيفَة ُ مِنْ قُفَيرَة َ فاقْرَأوا … عُنْوانَهَا، وَبِشَرّ طِينٍ تُطْبَعُ

كانتْ قفيرة ُ بالقعودِ مربة ً … تبكي إذا أخذَ الفصيلَ الروبع

بئسَ الفوارسُ يا نوارُ مجاشعٌ … خورٌ إذا أكلوا خزيراً ضفدعوا

يغدونَ قدْ نفخَ الخزيرُ بطونهمْ … رغداً وضيفَ بني عقالٍ يخفعُ

أينَ الذينَ بسَيفِ عَمْروٍ قُتّلُوا؛ … أمْ أينَ أسْعَدُ فيكُمُ المُسْتَرْضَعُ

حَرّبْتُمُ عَمْراً فَلَمّا استَوْقَدَتْ … نارُ الحروبِ بغربٍ لمْ تمنعوا

و بأبرقيْ ضحيانَ لاقوا خزية ً … تلكَ المذلة ُ والرقابُ الخضعُ

خورٌ لهمْ زبدٌ إذا ما استأمنوا … وَإذا تَتَابَعَ في الزّمَانِ الأمْرُعُ

هَلْ تَعْرِفُونَ عَلى ثَنِيّه أقْرُنٍ … أنَس الفَوَارِسِ يَوْمَ شُكّ الأسْلَعُ

و زعمتَ ويلَ أبيكَ أنَّ مجاشعاً … لو يسمعونَ دعاءَ عمروٍ ورعوا

هَلاّ غَضِبْتَ على قُرُومِ مُقَاعِسٍ … إذْ عجلوا لكمُ الهوانَ فأسرعوا

سَعْدُ بنُ زَيْدِمناة َ عِزٌّ فَاضِلٌ … جَمَعَ السّعُودَ وَكُلّ خَيرٍ يَجمَعُ

يكفي بني سعدٍ إذا ما حاربوا … عزٌ قُرَاسيَة ٌ، وَجَدٌّ مَدْفَعُ

الذّائدونَ، فَلا يُهَدمُ حَوْضُهُمْ، … وَالوَاردُونَ، فَوِرْدُهُمْ لا يُقْدَعُ

مَا كانَ يَضْلَعُ منْ أخي عِمِّيّة ٍ، … إلاّ عَلَيْه دُرُوءُ سَعْدٍ أضْلعُ

فاعلمْ بأنَّ لآلِ سعدٍ عندنا … عهداً وحبلَ وثيقة ٍ لا يقطعُ

عَرَفُوا لَنَا السّلَفَ القَديمَ وَشاعراً … تَرَكَ القَصَائدَ لَيسَ فيهَا مَصْنَعُ

وَرَأيْتَ نبْلَكَ يا فَرَزْدَقُ قَصّرَتْ … وَوَجَدْتَ قَوْسَكَ لَيسَ فيها مَنزَعُ