برِحتُ إلى الشّوق المبرِّح من قلبي – لسان الدين الخطيب

برِحتُ إلى الشّوق المبرِّح من قلبي … وسلَّمتُ أمري في الغرام إلى رَبي

وصانَعت الحاظ الظِّباء بمُهجتي … فما قبِلَت سِلمي ولا تركت حَربي

إذا لامَ قلبي في الهَوى عيني التي … جنَتْ صرفت عني الملامَ إلى قلبي

فلا تنكروا أن هزَّتِ الريحُ منكبي … وأذهلني وَجْدي عن الأهْل والصَّحب

ففي سكْرة ِ الصَّهباء ما تعلمونَه … فكيفَ إذا انضافَتْ إلى سكرة ِ الحُب

وبي من ظِباء الإنس رائقة َ الحُلى … وهبْتُ لها نفسي وملَّكتها لُبي

صبوْتُ وما قلبي بأوَّل من صبا … لناطقَة ِ القُرْطين صامتَة ِ القُلْب

إذا ما رنَتْ غارت بألحاظها الظِّبا … ومهما انثنَتْ غصَّت منعَّمَة ِ القُضْب

شكوتُ لها داء الهوى فاشتكَتْ به … فأبكي لها من حُبِّها وهي من حُبي

خليلي جرَّبت الهوى وخبرْتُهُ … فمُلِّيت علماً منه بالسهل والصعبِ

وما عرفتْ نفسي ألذَّ من اللّقا … وأندى على الأكبادِ من ساعة ِ القُرْب

وأحلى من العُتبى وأشهى من الرِّضا … إذا جاءَ من بعدِ القطيعَة ِ والعتْب

سأذهبُ في اللذاتِ ملء أعنتي … وأُركضُ خيل اللهو في طلقٍ رحْب

وإنَّ ودادي في الخليفة ِ يوسُفٍ … يكفِّرُ عند الله ما كان من ذنبِ

سلالَة ِ أنصارِ الهُدى وحُماتهِ … ووارث حزبِ الله ناهيك من حِزْب

محيًّا كمثل الشمسِ في رَوْق الضُّحى … وكفٍّ كما حُدِّثت عن واكف السُّحب

يصاحبُه التوفيقُ في كل وِجهة ٍ … ويقدمُ منه الجيْشَ جيشٌ من الرُّعب

به نظم الله الشّتاتَ فأصبحت … نفوسُ البرايا وهي آمنة ُ السِّرب

فدامَ قريرَ العين في ظلِّ عيشة ٍ … تُنيف معاليهِ على رُتبِ الشُّهْب

ولا برِحْت أيامُهُ وزمانُه … مآثرُها تحيا بها دولَة ُ العرب