بأيَّ غزالٍ في الخدورِ تهيمُ – محمود سامي البارودي

بأيَّ غزالٍ في الخدورِ تهيمُ … وَ غزلانُ ” نجدٍ ” ما لهنَّ حميمُ ؟

يَقُدْنَ زِمَامَ النَّفْسِ وَهْيَ أَبيَّة ُ … وَ يخدعنَ لبَّ المرءِ وَ هوَ حكيمُ

فإِيَّاكَ أَنْ تَغْشَى الدِّيارَ مُخَاطِراً … فدونَ حماها للأسودِ نئيمُ

فوارسُ لاَ يعصونَ أمرَ حمية ٍ … وَ لاَ يرهبونَ الخطبَ وَ هوَ عظيمُ

يَصُونُونَ فِي حُجْبِ الأَكِلَّة ِ ظَبْيَة ً … لها نسب بينَ الحسانِ صميمُ

منَ الهيفِ ، أما نعتُ ما في إزارها … فرابٍ ، وأما خصرها فهضيمُ

أَناة ٌ بَرَاهَا اللهُ فِي الْحُسْنِ آية ً … يدينُ إليها جاهلٌ وَ حليمُ

يميلُ بها سكرُ الشبابِ إذا مشتْ … كمَا مَالَ بِالْغُصْنِ الرَّوِيِّ نَسِيمُ

لَعَمْرُكَ ما أَدْرِي، أَدُمْيَة ُ بِيعَة ٍ … تَرَدَّدُ فِيهَا الْحُسْنُ، أَمْ هِيَ رِيمُ؟

يلومونني أنْ همتُ وجداً بحسنها … وَأَيُّ امْرِىء ٍ بِالْحُسْنِ لَيْسَ يَهِيمُ؟

وَهَلْ يَغْلِبُ الْمَرْءُ الْهَوَى وَهْوَ غَالِبٌ … وَيُخْفِي شَكَاة َ الْقَلْبِ وَهُوَ كَلِيمُ؟

فإنْ أكُ محسوراً بها ، فلربما … مَلَكْتُ عِنَانَ الْقَلْبِ وَهْوَ كَظِيمُ

وَ كابدتُ فيها ما لوِ انقضَّ بعضهُ … على جبلٍ لانهالَ منهُ قويمُ

فيا ربة َ البيتِ المنيعِ جوارهُ … أَمَا مِنْ مُسامٍ عِنْدَكُمْ فَأُسِيمُ؟

بَخِلْتِ عَلَيْنَا بِالسَّلاَمِ ضَنَانَة ً … وجدكِ مطروقُ الفناءِ كريمُ

فَكَيْفَ تَلُومِينِي عَلَى مَا أَصَابَنِي … مِنَ الْحُبِّ يا «لَيْلَى » وَأَنْتِ غَرِيمُ؟

وَ قدْ عشتُ دهراً لا أدينُ لظالمٍ … وَلَمْ يَحْتَكِمْ يَوْماً عَلَيَّ زَعِيمُ

فأنتِ التي مرهتِ عينيَ بالبكا … وَأَسْقَمْتِ هَذَا الْقَلْبَ وَهْوَ سَلِيمُ

تَنَامِينَ عَنْ لَيْلِي، وَعَيْنِي قَرِيحَة ٌ … و تشجينَ قلبي ، وَ هوَ فيكِ مليمُ

منحتكِ نفسي ، وَ هيَ نفسٌ عزيزة ٌ … عَلَيَّ، وَمَا لِي مِنْ هَوَاكِ قَسِيمُ

فإنْ يكُ جسمي عنْ فنائكِ راحلٌ … فَإِنَّ هَوَى قَلْبِي عَلَيْكِ مُقِيمُ

شَكوْتُ إِلَى مَنْ لَيْسَ يَرْحَمُ بَاكِياً … وَمَا كُلُّ مَنْ يُشْكَى إِلَيْهِ رَحِيمُ

فحتامَ ألقى في الهوى ما يسوءني … وَ أحملُ عبءَ الصبرِ وَ هوَ عظيمُ

وَ إني لحرٌّ بينَ قومي ، وَ إنما … تعبدني حلوُ الدلالِ رخيمُ

وَإِنِّي وإِنْ كُنْتُ الْمُسَالِمَ فِي الْهَوَى … لَذُو تُدْرَإٍ فِي النَّائِبَاتِ خَصِيمُ

أفلُّ شباة َ الخصمِ وَ هوَ منازلٌ … وَ أرهبُ كرَّ الطرفِ وَ هوَ سقيمُ

ألاَ ، قاتلَ اللهُ الهوى ، ما ألذهُ … عَلَى أَنَّهُ مُرُّ الْمَذَاقِ أَلِيمُ

طويتُ لهُ نفسي على ما يسوءها … وَأَصْبَحْتُ لا يَلْوِي عَلَيَّ حَمِيمْ

فَمَنْ لِي بِقَلْبٍ غَيْرِ هَذَا؟ فَإِنَّنِي … بِهِ عِنْدَ رَوْعَاتِ الْفِرَاقِ عَلِيمُ

كَأَنِّي أُدَارِي مِنْهُ بَيْنَ جَوَانِحِي … لَظًى ، حَرُّهَا يَكْوِي الْحَشَا، وَيَضِيمُ

بَلَوْتُ لَهُ طَعْمَيْنِ: أَمَّا مَذَاقُهُ … فعذبٌ ، وأما سؤرهُ فوخيمُ

وَ جربتُ إخوانَ الصفاءِ ، فلمْ أجدْ … صَدِيقاً لَهُ فِي الطَّيِّبَاتِ قَسِيمُ

لَهُمْ نَزَوَاتٌ بَيْنَهُنَّ تَفَاوُتٌ … وَعَنٌّ ـ عَلَى طُولِ اللِّقَاءِ ـ ذَمِيمُ

بِمَنْ يَثِقُ الإِنْسَانُ وَالْغَدْرُ شِيمَة ٌ … لِكُلِّ ابْنِ أُنْثَى ، وَالْوَفَاءُ عَقِيمُ؟

فَلاَ تَعْتَمِدْ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ فِي الَّذِي … تودُّ منَ الحاجاتِ ؛ فهوَ رحيمُ

وَ لاَ تبتئس منْ محنة ٍ ساقها القضا … إِلَيْكَ، فَكَمْ بُؤْسٍ تَلاَهُ نَعِيمُ

فقدْ تورقُ الأشجارُ بعدَ ذبولها … وَيَخْضَرُّ سَاقُ النَّبْتِ وَهْوَ هَشِيمُ

إذا ما أرادَ اللهُ إتمامَ حاجة ِ … أَتَتْكَ عَلَى وَشْكٍ وَأَنْتَ مُقِيمُ

كلمات: عبداللطيف البناي

ألحان: طلال مداح