الإقطاع – محمد مهدي الجواهري

ألا قُوَّةٌ تسطيعُ دفع المَظالِمِ … وإنعاشَ مخلوقٍ على الذُّلِّ نائِمِ

ألا أعينٌ تُلقى على الشَّعْبِ هاوياً … إلى حَمْأةِ الإدقاعِ نظرةَ راحم

وهَلْ ما يرجِّي المُصلحونَ يَرونهُ … مواجَهَةً أمْ تلكَ أضغاثُ حالم

تعالَتْ يدُ الاقطاعِ حتَّى تعطَّلَتْ … عنِ البتِّ في احكامِها يدُ حاكم

وحتَّى استبدَّتْ بالسَّوادِ زعانِفٌ … إلى نَفْعِها تستاقُهُ كالبهائم

إذا رُمْتُ أوصافاً تليقُ بحالةٍ … تعرَّفْتُها ضاقَتْ بطونُ المعاجم

ألا نستحي منْ أنْ يُقالَ بلادُهُمْ … عليها مِنَ الإذلالِ ضربةُ لازم

هي الأرضُ لم يَخْصُصُ لها اللهُ مالكاً … يُصَرَّفُها مُسْتَهْتَراً في الجرائم

ولم يَبْغِ منها أنْ يكونَ نَتاجُها … شَقاوةَ مظلومٍ ونعمةَ ظالم

عجِبتُ لخلْقٍ في المَغارِمِ رازِحٍ … يُقدِّمُ ما تجني يداهُ لغانم

وأنكا من هذا التغابُنِ قُرْحَةً … غباوةُ مَخْدومٍ وفِطنةُ خادم

وكمْ مِن خُمولٍ لاحَ في وجه متْرفٍ … وكمْ من نبوغٍ شعَّ في عينِ عادِم

لو اطَّلَعتْ عيناكَ أبصرتَ مأْتَماً … أُقيمَ على الأحياءِ قبلَ المآتم

وإلاّ فما هذا الشَّقاءُ مُسَيْطِراً … لهُ في جباهِ القومِ مثلُ المياسم

إذا أقبلََ ” الشيخُ المُطاعُ “وخَلْفَهُ … منَ الزارعين الأرضَ مِثْلُ السَّوائم

مِنَ المُزهَقي الأرواح يَصلي وجوهَهُمْ … مَهَبُّ أعاصيرٍ ، ولفحُ سمائم

قِياماً على أعتابهِ يُمطِرونها … خُنوعاً وذُلّاً بالشّفاهِ اللواثم

رأيتَ مثالاً ثَمَّ لابنِ ملائكٍ … تَنَزَّلَ مِن عَليْائهِ وابنِ آدم

حَنايا مِنَ الأكواخِ تُلقي ظِلالَها … على مِثْلِ جُبٍ باهتِ النُور قاتم

تلوَّتْ سِياطٌ فوقَ ظهرِ مكرَّمٍ … مِن اللُؤمِ مأخوذٍ بسوطِ الألائم

وباتَتْ بطونٌ ساغِباتٌ على طَوىً … وأُتخِمَت الأخرى بِطيبِ المطاعم

أهذي رعايا أُمَّةٍ قد تهيَّأتْ … لِتسْقَبْلَ الدُّنيا بعزمِ المُهاجم؟

أهذا سوادٌ يُبتغىَ لِمُلِمَّةٍ … ونحتاجُهُ في المأزِق المتلاحِم ؟

أهذي النفوسُ الخاوياتُ ضَراعةً … نُباهي بها الأقرانَ يومَ التَّصادم؟

أمِنْ ساعِدٍ رِخوٍ هَزيلٍ وكاهلٍ … عجوزٍ نُريدُ المُلْكَ ثَبْتَ الدَّعائم

مِنَ الظلْمِ أنَّا نَطْلُبُ العزمَ صادقاً … من الشعبِ منقوضَ القُوى والعزائم

وأنْ نَنْشُدَ الاخلاصَ في تضحياتهِ … ونحنُ تركناهُ ضحيَّةَ غاشم

وأنْ نبتغي رِكضاً حَثيثاً لِغايةٍ … نُحاوِلُها مِن راسِفٍ في أداهم

لنا حاجةٌ عندَ السَّوادِ عظيمةٌ … سنفقِدُها يومَ اشتدادِ الملاحِم

هُناِلكَ لا تُجدي فتيلاً عِصابةٌ … إذا جَدَّ خطبٌ فهي أوَّلُ راجم

وإنَّ سواداً يحمِلُ الجَوْرَ مُكْرَهاً … فقيرٌ لِهادٍ بَينِ النُصْحِ حازِم

يَشُنُّ على الاقطاعِ حرباً مُبيدةً … ولا يَختشي في الحقِّ لَوْمَةَ لائم

يَمُدُّ يداً تُعطي الضّعافَ حُقوقَهُمْ … ويَسْطو بأخرى باطشاً غيرَ راحم

ويجتَثُّ إقطاعاً أقَرَّتْ جُذُورَهُ … سياسةُ تفريقٍ وحَوْزُ مغانم

سياسةُ إفقارٍ ، وتجويعُ أُمَّةٍ … وتَسليطُ أفرادٍ جُناةٍ غَواشم

لقد قُلْتُ لو أصغى إلى القولِ سامعٌ … وما هوَ مِّني بالظُنونِ الرّواجم

ألا إنَّ وضعاً لا يكونُ رفاهُهُ … مُشاعاً على أفرادهِ غيرُ دائم

أمبترِداتٌ بالخُمورِ تثلَّجَتْ … وبالماءِ يَغلي بالعُطورِ الفواغِم

ومُفترِشاتٌ فضلةً في زرائبٍ … يُوَسّدُها ما حولَها مِن رَكائم

أمِنْ كدحِ آلافٍ تفيضُ تَعاسةً … يُمَتَّعُ فردٌ بالنعيمِ المُلازِم

وما أنا بالهيَّابِ ثورةَ طامعٍ … ولكنْ جِماعُ الأمرِ ثورةُ ناقم

فما الجوعُ بالأمرِ اليسيرِ احتمالُهُ … ولا الظُلْمُ بالمرعى الهنيءِ لِطاعِم

نَذيرَكَ مِن خَلْقٍ أُطيلَ امتهانُه … وإنْ باتَ في شكلِ الضَّعيفِ المُسالم

بلادٌ تردَّتْ في مهاوٍ سحيقةٍ … وناءتْ بأحمالٍ ثِقالٍ قواصِم

تَبيتُ على وعدٍ قريبٍ بفتنةٍ … وتُضحي على قَرْنٍ من الشرِّ ناجم

ولو عُولِجَ الاقطاعُ حُمَّ شِفاؤها … ومَنْ لي بطَبٍّ بّينِ الحِذْقِ حاسم؟

ولم أرَ فيما ندَّعي مِن حضارةٍ … وما يَعتري أوضاعَنا مِن تلاؤم

وها إن هذا الشَّعْبَ يَطوي جَناحَهُ … على خَطَرٍ من سَورةِ اليأس داهم

غداً يستفيقُ الحالمونَ إذا مَشَتْ … رواعدُ من غضبابتهِ كالزمازم