إلى جنيف – محمد مهدي الجواهري

ءلُقيتَ عُقيى الجهدِ والأتعابِ … ونزلت خيرَ مَحلِةٍ وجَناب

ورَحلْتَ خير مُودَّع عن موطنٍ … حاميتَ عنه ، وأُبتَ خيرَ إياب

ودفعتَ للدار الحصينةِ أمةً … وقَفَتْ سياستُها على الأبواب

ولأنتَ خيرُ لسان صدقٍ ناطقٍ … عنها إذا صَمَتَتْ ، وخيرَ كتاب

غابَ الاسود جِنيفُ سوفَ يَدوسُها … أسدٌ تقدِّرُه أسودُ الغاب

رحْبُ الفؤادِ غداً تُجِلُّ مكانَهُ … أربابُ أفئدةٍ هناك رِحاب

وهناك سوفَ تَرى النواظرُ مالئاً … كرسيَّهُ قُطباً من الأقطاب

ملءَ العيون سماتُ أصيدَ طافحٍ … عزماً ، وملءَ السمع فصلُ خِطاب

ومَلامحٌ مشبوبة هي وحدَها … وكَفى ، دليلُ نجابةِ الأعراب

لله درُّك من خبير بارعٍ … يَزِنُ الأمورَ بحكِمةٍ وصَواب

يُعَني بما تَلد الليالي حيطةً … ويُعِدُّ للأيام الفَ حساب

متمكِّنٌ مما يريد يَنالهُ … موفورُ جأشٍ هادئُ الأعصاب

يلتفُّ ” كالدولاب ” حول كوارثٍ … حَشَدت عليه تدورُ كالدولاب

وإذا الشعوبُ تفاخَرَت بدُهاتها … في فضِّ مشكلةٍ وحَلِّ صِعاب

جاء العراقَ مباهياً بسَمَيذَعٍ … بادي المَهَابة رائعٍ جَذّاب

يُرضيك طول أناتهِ فاذا التوَى … فهو القديرُ الفذُّ في الإغضاب

أملاعبَ الأرماح يومَ كريهةٍ … في السلمِ أنتِ ملاعبُ الألباب.

أعجبِتُ منكِ بهمةٍ ورويَّةٍ … وأقلُّ إعجابِ امريءٍ إعجابي

إن الذي سوّى دِماغَك خصَّة … من كل نادرةٍ بخير نِصاب

لبّاسُ أطوار يَرىَ لتقلُّبِ الايام … مُدَّخِراً سِفاطَ ثياب

يمشي إلى السر العميقِ بحيلةٍ … أخفى وألطَ من مَدَبَّ شراب

يبدو بجِلبابٍ فانْ لم تَرضَه … يَنْزَعْه مُنسلاً إلى جِلباب

قضت الظروفُ بما تُريد وغَُلِّبتْ … آراءُ مجتمِع القُوى غلاّب

وعرفتَ كيف تَرى السياسةَ خطةً … عربيةَ الأوصاف والألقاب

مشيَّتها عشراً وئيداً مشيها … باللطفِ آونةً وبالإرهاب

وكشَفتَ كلَّ صحيفة مستورةٍ … وتركتَها عُرْياً بغير نِقاب

وقتَلتَ أصناف الرجال درايةً … من مستقيمٍ في خطاهُ وكابي

ومُعارِضٍ خَدَمَ البلادَ لغايةٍ … شَرُفت وآخرَ خائنٍ كذاب

وكأنني بك إذ تقابلُ واحداً … منهم ، تريه غفلةَ المتغابي

فاذا ادّعىَ ما ليس فيه أتيَتَه … فيما تُريد، بمَحضَرٍ وكِتاب

لم تبقَ لولا فرطُ عزمِك ريبةٌ … أن العراق يسير نحو تَباب

حتى وَقفْتَ به يمدُّ لهاتهُ … تَعَباً من الأثقال والأوصاب

لا أدَّعي أنْ قد أتمَّ نموَّه … من كان أمسِ بشكلِ طِفل حاب

فلَتِلك لبستْ بالبعيد منالُها … عن كلِّ شَعب طامحٍ وثّاب

لكن أقولُ اريتَهُ مستقبَلا … لا بالعَديم سَناً ولا الخلاّب

كالشُهد أوّلَ ما تذوَّقَه فمٌ … ما زالَ بين لُهاه طعمُ الصاب

فاليوم هاهو ذا بظلِّك يحتَمِي … مثلَ احتماءِ العَين بالأهداب

ان تشكُ ما قاسيتَ من إجهادةٍ … أو تَلقَ ما لاقيت من أتعاب

فلقد طَلَبَتَ منالَ أمرٍ لم يكُنْ … ليُنالَ إلا من رؤوس حِراب

اليومُ يومُ تَفاهمٍ بالرَغم مِن … أني أحِبُّ تَطاحُنَ الأحزاب

وسياسةٍ سلبيةٍ لو أثمَرَتْ … فيها نجحُ رغائبٍ وطِلاب

وخيانةٌ ان لا يقدِّرَ مخلِصٌ … تدعو سياستُهُ إلى الإِضراب

لكن إذا لم تَبقَ إلا مِيتة … أو أختُها فسياسةُ الإِيجاب

ما يأخذُ المصنوعُ حبلَ وريده … ما بينَ ظُفْْرِ عدوِّهِ والناب

أني هززتُكَ بالقوافي قاصداً … بكَ خدمةَ التاريخِ والآداب

لولا محيطٌ بِتُّ من نَزَعاته … وتضارب الآراءِ كالمرتاب

أطنَبتُ في غصَصٍ لديَّ كثيرةٍ … تبيانُها يدعو الى الإِطناب

لي حقُّ تمحيص الأمورِ كواحدٍ … من سائر الشعراء والكُتاب

فاذا أصبَتُ فخَصْلةٌ محمودةٌ … واذا زَلِلتُ فلستُ فاقدَ عاب

فلطالما حابَيتُ غير مصارحٍ … ولطالما صارحتُ غير مُحابي

ولكم سَكَتُ فلا مصارحةٌ ولا … تمويهةٌ ، وقبَعْتُ في أثوابي

أبغي المسائلَ محضةً ويعوُقني … عن ذلكم ، سببٌ من الأسباب

وبلاءُ كلِّ مفكِّرٍ حزبيةٌ … تُلقي على الآراء ألفَ حِجاب

0

كلمات: مأمون الشناوي

ألحان: كمال الطويل