أَلاَ، حيِّ مِنْ «أَسْمَاءَ» رَسْمَ الْمَنَازِلِ – محمود سامي البارودي

أَلاَ، حيِّ مِنْ «أَسْمَاءَ» رَسْمَ الْمَنَازِلِ … وَإِنْ هِيَ لَمْ تَرْجِعْ بَيَاناً لِسَائِلِ

خلاءٌ تعفتها الروامسُ ، والتقتْ … عَلَيْهَا أَهَاضِيبُ الْغُيُومِ الْحَوَافِلِ

فلأياً عرفتُ الدارَ بعدَ ترسمٍ … أراني بها ما كانَ بالأمس شاغلي

غدتْ وَ هيَ مرعى ً للظباءِ ، وَ طالما … غَنَتْ وَهْيَ مَأْوًى لِلْحِسَانِ الْعَقَائِلِ

فَلِلْعَيْنِ مِنْهَا بَعْدَ تَزْيَالِ أَهْلِهَا … مَعَارِفُ أَطْلالٍ، كَوَحْيِ الرَّسَائِلِ

فَأَسْبَلَتِ الْعَيْنَانِ فِيهَا بِوَاكِفٍ … منَ الدمعِ ، يجري بعدَ سحًّ بوابلِ

دِيارُ الَّتِي هَاجَتْ عَلَيَّ صَبَابَتِي … وأَغْرَتْ بِقَلْبِي لاَعِجَاتُ الْبَلابِلِ

منَ الهيفِ ، مقلاقُ الوشاحينِ ، غادة ٌ … سَلِيمَة ُ مَجْرَى الدَّمْعِ، رَيَّا الْخَلاَخِلِ

إذا ما دنتْ فوقَ الفراشِ لوسنة ٍ … جفا خصرها عنْ ردفها المتخاذلِ

تَعَلَّقْتُهَا فِي الْحَيِّ إِذْ هِيَ طِفْلَة ٌ … وَإِذْ أَنَا مَجْلُوبٌ إِلَيَّ وَسَائِلِي

فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْحُبُّ فِي الْقَلْبِ وَانْجَلَتْ … غيابتهُ هاجتْ عليَّ عواذلي

فَيَا لَيْتَ أَنَّ الْعَهْدَ بَاقٍ، وأَنَّنَا … دوارجُ في غفلٍ منَ العيش خاملِ

تَمُرُّ بِنَا رُعْيَانُ كُلِّ قَبِيلَة ٍ … فَمَا يَمْنَحُونَا غَيْرَ نَظْرَة ِ غَافِلِ

صَغِيرَيْنِ لَمْ يَذْهَبْ بِنَا الظَّنُّ مَذْهَباً … بَعِيداً، ولَمْ يُسْمَعْ لَنَا بِطَوَائِلِ

نَسِيرُ إِذَا مَا الْقَوْمُ سَارُوا غَدِيَّة ً … إلى كلَّ بهمٍ راتعاتٍ وَ جاملِ

وَإِنْ نَحْنُ عُدْنَا بِالْعَشِيِّ أَضَافَنَا … إليهِ سديلٌ منْ نقاً متقابلِ

فويلٌ لهذا الدهرِ ، ماذا أرادهُ … إلينا ، وقد كنا كرامَ المحاصلِ ؟

عَلَى عِفَّة ٍ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهَا … مبرأة ٌ منْ كلَّ غيًّ وَ باطلِ

وَ لكنها الأيامُ لمْ تأتِ صالحاً … مِنَ الأَمْرِ إِلاَّ أَعْقَبَتْ بِالتَّنَازُلِ

إِذَا مَا تَذَكَّرْتُ الزَّمَانَ الَّذِي مَضَى … تَسَاقَطُ نَفْسِي إِثْرَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ

قبائلُ أفنتها الحروبُ ، ولمْ تكنْ … لِتَفْنَى كِرَامُ النَّاسِ مَا لَمْ تُقَاتِلِ

قَضَتْ بَعدَهُمْ نَفْسِي عَزَاءً، وأَصْحَبَتْ … عَشَوْزَنَتِي، وَانْقَادَ لِلذُّلِّ كَاهِلِي

وَأَصْبَحْتُ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ عَنِ الَّتِي … أحاولها ، وَ الدهرُ جمُّ الغوائلِ

صَرِيعُ لُبَاناتٍ تَقَسَّمْنَ نَفْسَهُ … وَغَادَرْنَهُ نَهْبَ الأَكُفِّ الْخَوَاتِلِ

كأنيَ لمْ أعقدْ معَ الفجرِ راية ً … وَ لمْ أدرعَ باسمي للكميَّ المنازلِ

وَلَمْ أَبْعَثِ الْخَيْلَ الْمُغِيرَة َ فِي الضُّحَا … بكلَّ ركوبٍ للكريهة ِ باسلِ

نَزَائِعُ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ عَلَى الْوَجَى … إذا عريتْ أمثالها في المنازلِ

مِنَ الْقَوْمِ، بَادٍ مَجْدُهُمْ فِي شَمَالِهِمْ … وَ لاَ مجدَ إلاَّ داخلٌ في الشمائلِ

إذا ما دعوتَ المرءَ منهمْ لدعوة ٍ … على عجلٍ لباكَ غيرَ مسائلِ

يكفكفُ أولى الخيلِ منهُ بطعنة ٍ … تمجُّ دماً ، مطعونها غيرُ وائلِ

يكونُ عشاءَ الزادِ آخرَ آكلٍ … وَ يومَ اختلاجِ الطعنِ أولَ حاملِ

قضوا ما قضوا منْ دهرهمْ ، ثمَّ فوزوا … إِلَى دَارِ خُلْدٍ ظِلُّهَا غَيْرُ زَائِلِ