أهاجتك ذكرى من خليط ومعهد – لسان الدين الخطيب

أهاجتك ذكرى من خليط ومعهد … سمحت لها بالدمع في كل مشهد

وعادك عيد من تذكر جيرة … نأوا بالذي أسأرته من تجلد

حنانيك من نفس شعاع ومهجة … إذا لم يحن من بعدهم فكأن قد

فكم دونهم من مهمه ومفازة … وأثباج بحر زاخر اللج مزبد

كأن لم يكن من قبل يومك عاشق … ولا واقف بالربع وقفة مكمد

ولا تسأل الأطلال بعد قطينها … فعفت جوابا بعد طول تردد

ومستنصر من دمعه غير ناصر … ومستنجد من ضره غير منجد

سوى عبرة تحدو ثقال سحابها … إذا ما ونت ريح الزفير المصفد

أسى النفس لا يقوى على رد فائت … فإن شئت فلتقلل وإن شئت فازدد

وما رجل الدنيا سوى متفطن … لنكرائها ماض مضاء المهند

إذا أقبلت بالخير لم تستفزه … وإن هي ضلت لم يقدها بمقود

فلا تقن ما يجني عليك ذهابه … وإن كان معتدا به ضر معتد

وخذ ما به جاد الزمان مسامحا … ولا تترك يوم السرور إلى غد

وسر في مراح الله مقتصر الخطا … وكن لنوال الله منبسط اليد

وإن راع دهر أو تنكر حادث … فلذ بحمى من عامر بن محمد

فتى الحي من هنتاتة جيرة الهدى … وخيرة أصحاب النبي الموحد

وكوكب أفق الغرب لم يبق بعده … وبعد ابنه من كوكب متوقد

رحيب مجال الفضل يكلف بالعلا … فما هو بالمصغي لقول المفند

ويطوي برود الملك فوق خلائق … تناسب خلق الناسك المتزهد

ومشتغل بالحزم يقدح زنده … إذا اشتغل الأملاك باللهو والدد

وضافي لباس المجد بالفضل مكتس … وبالفخر معتم وبالحمد مرتد

وتحتمل الركبان طيب حديثه … فيأتيك بالأخبار من لم تزود

ومرتقب الإقبال من كل وجهة … وأمر وللصنع الجميل معود

فوالله ما ندري أيمن نقية … ترف عليه أم سعادة مولد

تساس به الأقطار بعد ارتجاجها … وتدنو له الأقطار بعد تبعد

له جبل في ملتقى الهول عاصم … يناول من يحتله النجم باليد

ورأي إذا ما جهزت عنه راية … كفى سعدها عن كل جند مجند

يرى الأمر في أعجاز صدوره … بعين البصير الألمعي المسدد

أليس من القوم الذين علاهم … مخلدة واستشهد الكتب تشهد

مآثرهم في الدين غير خفية … فهم كالنجوم الزاهرات لمهتد

خلائف عبد المؤمن الملك الذي … بسر من المهدي قد كان يهتدي

ودوخ أكناف البسيطة بعده … وأعلن بالتوحيد في كل مسجد

وأبناؤه من بعده أعملوا الظبا … وأمضوا سيوف الله في كل ملحد

فسل إن أردت الأرك إذ غصت الربا … بكل عميد بالرغام موسد

فمن ذا له كالقوم إن شئت في ندى … وباس وفي فضل وفي صدق مشهد

لئن زينوا الدنيا بزهر وجوههم … لقد زينوا بالذكر كل مجلد

وأبقوا ثناء عاطرا فكأنما … نسيم الصبا هبت على الزهر الندي

أبا ثابت لا زال سعدك ثابتا … وجودك يروي ورده غلة الصدى

ولا زلت قطبا تستدير به العلا … كما دارت الأفلاك حول المجدد

رفعت بناء الملك لما تمايلت … دعائمه فوق الأساس الموطد

وأصرفته لما دعاك على النوى … وواصل ترجيع النداء المردد

بكل صقيل المتن سال خليجه … ولكن حكم القين قال له اجمد

يرى بنحول الحد شيمة عاشق … ويكذب خداه بخد مورد

وملتفت عن أزرق اللحظ قد حكى … به العلق المحمر مقلة أرمد

شكا مرة الألحاظ في حومة الوغى … فوافاه ملتف الغبار بأثمد

وكل شهير العتق أشرف جيده … وقام على ملمومة من زبرجد

إذا ما تغنى بالصهيل مرجعا … سمعت به صوت الغريض ومعبد

تألق عن برق الدجنة كلما … تبسم في قطع من الليل أربد

وجددت نصر الجد في ابن ابنه اللذي … رعيت له حق الذمام المؤكد

ولم تأت بدعا في الوفاء وإنما … شفعت الذي أسلفت في القوم من يد

ويأبى لك المجد الذي أنت أهله … على الدهر إلا أن تتمم ما بدي

وعدت يجر الملك خلفك ذيله … وفي حكمك العليا تروح وتغتدي

ويعتد منك الملك والدين والورى … بكافي الدواهي والهمام المؤيد

وسوغك العقد السعيد مسرة … وهنأك الأملاك أعذب مورد

شددت بعهد الملك أزر مجادة … توارثتها عن أوحد بعد أوحد

ومثلك من يرمي بهمته العلا … ويرفع أعلام الثناء المجدد

ويحي من التوحيد رسما يعيده … لخير اجتماع الشمل بعد تبدد

عقيلة ملك فزت منها بطائل … عزيز على النفس الكريم الممجد

يزر عليها هوج الملك هالة … يدور عليها كل غفر وفرقد

فلو أنصفت فوق العيون ابتغوا لها … طريقا فتمشي فوق صرح ممرد

وفي نسبة الأشياء يظهر حسنها … موحدة زفت لخير موحد

فهنأك الله الإياب ولا انقضت … سعودك تترى بين مثنى وموحد

وقابل صنيع الله فيك بشكره … وراقبه حال السر والجهر تحمد

فيا هضبة العليا ويا مزنة الندى … ويا مفخر الدنيا ويا قمر الندى

ويا عدة الملك المريني كلما استجار به … في الأمس واليوم والغد

ركضت إليك الجرد أفلي بها الفلا … وأدرع منها فرقدا بعد فرقد

يطير بها الشوق الحثيث فينبري … لمثواك منها كل سهم مسدد

ولو هاج عزمي من سواك وصاح بي … لآثرت سيما العاجز المتبلد

وما كنت أرضى أن أنال ذريعة … أكد لها نفسي وأكذب مقصدي

وأقتحم الأخطار والأرض تلتظي … وألتهم الأقطار والهول يغتدي

ولو أن شمس الجو أو قمر الدجى … يعودان في هضبي لجين وعسجد

ولكنه ود وحسن تخير … قضى لك مني بالثناء المخلد

جعلتك بين الناس حظي الذي سمت … لإحرازه نفسي وطبعي منجدي

وحرك عزمي أن أزورك قاعدا … على فرس العز الأصيل المجدد

ليخلص تأميلي إليك ووجهتي … وبيرأ عزمي من سواك ومقصدي

فلا تنس لي هذا الزمام فإنه … لخير ذمام قد وصلت به يدي

أجار علاك الله من كل حادث … ولا زلت في سعد على الدهر مسعد

وأحيا أبا يحيى لعينك قرة … قريعك في حزم وعزم وسؤدد

مؤمل أبنائي ومظهر دعوتي … ولولا اتقائي عتبه قلت سيدي

ولا زلت تجني كلما اشتجر الوغى … جنى النصر من غرس القنا المتقصد

وكثر من حسادك الله إنه … إن الله أنمى خيره إليك تحسد