أنيخاها فقدْ بلغتْ مناها – عبدالغفار الأخرس

أنيخاها فقدْ بلغتْ مناها … وغادرها المسيرُ كما تَراها

سلكتُ بها فجاج الأرض حتى … أضرَّ بها وأوهنها قواها

فَسَلْني كيفَ جابتها قِفاراً … وكيف فدافدها خطاها

وما أنسى الوقوف على رسومٍ … عناني في الصبابة ماعناها

قضى بوقوفه المشتاقُ فيها … وجُوهاً يا أمَيْمَة لا أراها

وقفتُ أناشِدُ الأطلال منها … ديوناً للمنازل ما قضاها

واذكر ما هنالك طيبَ عيشٍ … به تجري النفوس على مداها

جرَينا في ميادين التصابي … إلى اللّذات نستحلي جناها

فواهاً لِلّذائذ كيف ولّت … وآها من تصرمّها وآها

تدار من المدام على الندامى … كؤوسُ الراح تشرق في سناها

وألحان المثالثِ والمثاني … يُغنّيها فتطربُ في غناها

وينظما اجتماع في رياضٍ … نثار الطل يلبسها حلاها

وقد أملتْ حمائمها علينا … من الأوراقِ شيئاً من أساها

كأنَّ الوُرْقَ حين بكتْ وأبكتْ … رماها بالقطيعة من رماها

تُكَتِّمُ أدمعاً وتبوحُ وجداً … وتعرب ما هنالك عن جواها

وربَّ مديرة ٍ كأس الحميّا … أخذتُ بكفِّها ورشفتُ فاها

ومسودِّ الإهاب من الدياجي … كشَفْتُ بشهبُ أكؤسنا دجاها

وعانقت القوام اللَّدنَ منها … و عينُ الواشي يحجبها عماها

فآونة ً ترشِّفني طلاها … وآونة ترشِّفني لماها

ومن عجبٍ أذلُّ لذاتِ دلٍّ … وتسبيني المحاسن في هواها

ولي نفس متى دعيتْ لذلٍّ … نهاها عن إجابته نهاها

أبَتْ نفسي مداناة الدّنايا … وأغنتها القناعة عن غناها

وهل تستعبد الأطماع حراً … إذا عرضت له الدنيا ازدراها

ولست ألينُ والأيام تقسو … بشدَّتها ولمْ أطلبْ رخاها

وأرض يَفْرَقُ الخرّيت فيها … ويفزعُ من مهالك ما يراها

سلكتُ فجاجها ومَرَقْتَ منها … مروقَ النَّبل يبعدُ مرتماها

سليني كيف جرَّبت الليالي … وكيف عرفتها وعرفتُ داها

بلوت الناس قَرناً بعد قرنٍ … وكنتُ بها أحقَّ من ابتلاها

فلم أزدد بها إلاّ اختباراً … ولم أزدد بها إلاّ انتباها

وفي عبد الحميد بديع شعري … مناقبُ عن معاليه رواها

نعمتُ بفضله وشكرت منه … يداً لا زال يغمرني نداها

فما استعذبتُ غير ندى يديه … وما استعذبته مما عداها

فلو أني وردتُ البحر عذباً … أنِفْتُ من الموارد ما خلاها

وإنَّ الله أودع فيه معنى ً … لتسمية المكارم مذ براها

من السادات من أعلى قريشٍ … سلالة ِ خير خلق الله طه

شديد البأس ألطفَ من نسيم … تعطِّره الأزاهر من شذاها

يخوض غمارها الهيجاء خوضاً … وماء الموت يرشحُ من ظباها

ويرفع راية المنصور فيها … ويخفض من أعاديه الجباها

… إليه العزُّ يتَّجهُ اتّجاها

تريه بوطنَ الآراء تبدو … فلمْ تحجبْ لعمرك ما زراها

أرَته زينة َ الأمجاد تزهو … بأردية ِ المحاسن فارتداها

وأحيا بالعمارة كلَّ أرضٍ … وأجرى في ضواحيها المياها

وأمَّنَ بالصيانة ساكنيها … وأصبحَ فيه محميّاً حماها

حماها حيث كانت من لدنه … بعينِ عناية ٍ ممَّن رعاها

ودبَّرها بلطفٍ لا بعنفٍ … فأرشَدَها وألهَمَها هداها

… فما مدَّتْ إلى أحدٍ يداها

فَهَل من مبلغٍ عَنّي ثناءً … تقيَّ الدين يشكره شفاها

ربما أسْدى من الحُسنى إلَينا … وماعرف الأماجدَ فاجتباها

تَفرَّسَ بالرجال فزاد عِلماً … فولاّها الأمور بمقتضاها

إليك ركبتها في البحر تجري … من الفلك السوابق في سراها

تنَّفسُ بالدخان وفي حشاها … لظى نارٍ مُسَعَّرة ٍ لظاها

ويخفِقُ وهي مثل الطير سبحاً … جناحاها إذا دارت رحاها

جَرَت مجرى الرياح بلا توانٍ … فما احتاجت إلى ريحٍ سواها

وما زلنا بها حتى بَلَغنا … من الامال أقصى مبتغاها

بقيتَ لنا مدى الأيام ذخراً … نراها فيك أحسَنَ ما نراها

فمثلك في المكارم لا يجارى … ومثلك في الأكارم لا يضاهى