ألا حدِّثاها فهي أمُّ العجائب – لسان الدين الخطيب

ألا حدِّثاها فهي أمُّ العجائب … وما حاضِرٌ في وصْفِها مثلَ غائبِ

ولا تُخْليا منها على خطَرِ السُّرى … سُروجَ المذاكي أو ظُهورَ النجائبِ

ولا تُغْفلا من وَسْمِها كلّما سرَتْ … صدورُ القوافي أو صدورُ الرَّكائبِ

وحُطَّ لها بين الحَطيمِ وزمزمِ … رجالا من البُشْرى مِلآء الحقائبِ

هو الخبَرُ الصِّدقُ الذي وضَحت به … سبيلُ الهُدى بعد الْتباسِ المذاهِب

وما هي إلا دعْوة ٌ يُوسُفِيَّة ٌ … أثارتْ قَبُول الله ضَرْبة َ لازِب

سَمَتْ نحو أبوابِ السّماءِ فلم تُرَعْ … بتَشْغِيب بَوّابِ ولا إذْنِ حاجِب

أيوسُفُ إنّ الدّهرَ أصبح واقِفا … على بابِكَ المأمولِ مَوْقِف تائبِ

دُعاؤُكَ أمضى من مُهنَّدة الظُّبا … وسَعْدُكَ أقضى من سُعُودِ الكواكِب

سُيُوفُكَ في أغمادِها مُطمئنَّة ٌ … ولكنّ سيْف الله دامي المضارِبِ

فَثِق بالذي أرْعاكَ أمرَ عباده … وسلْ فضلَه فالله أكرمُ واهِبِ

لقد طَوّق الأذفنشَ سعدُكَ خِزْية ً … تجِدُّ على مرِّ العصورِ الذّواهِبِ

وفَيْتَ وخانَ العهْدَ في غيرِ طائل … وصدَّقَ أطماعَ الظُّنونِ الكواذب

جرى في مجاري العِزّ غيرَ مقصِّرٍ … وهل نَهَضَ العُجْبُ المُخِلُّ براكِب

وغالَبَ أمرَ الله جلَّ جلالُه … ولَمْ يَدْرِ أنّ الله أغْلَبُ غالِبِ

ولله في طيّ الوجودِ كتائبٌ … تَدِقُّ وتخفى عن عُيُونِ الكواكِبِ

تُغيرُ على الأنفاسِ في كُلِّ ساعة ٍ … وتكْمُنُ حتى في مياهِ المشارب

أخَذْتَ عليهِ الطُّرْقَ في دارِ طارِقٍ … فما كَفَّ عنه الجيشُ من كَفِّ ناهب

فصار إلى مَثْوى الإهانَة ِ ذاهبا … وخَلَّفَ عارَ الغدْرِ ليْسَ بذاهِب

فمِن قارع في قومِه سِنَّ نادِم … ومِنْ لاطِمٍ في خدِّه خَدَّ نادِبِ

مصائب أشْجَى وقعُها مُهَجَ العِدا … وكمْ نِعَمٍ في طَيّ تلكَ المصائب

وإن لم يُصِبْ مِنْهُ السِّلاحُ فإنما … أصِيبُ بسَهْم من دُعائكَ صائِب

ولله من ألْطافِه في عبادِه … خزائنُ ما ضاقَتْ بمَطْلَبِ طالِب

فمهما غَرَسْتَ الصَّبرَ في تُرْبة ِ الرِّضا … بحُكْمِ القَضَا فلْتجنِ حسْنَ العواقِب

ولا تُبْعِدِ الأمرَ البعيدَ وقوعُهُ … فإنّ الليالي أمهاتُ العجائِب

هنيئا بِصُنْعِ قد كفاكَ عظيمُهُ … رُكوب المرامي واخْتيارَ الكواكِب

ودونكَ فافْتح كلّ ما أبْهَم العِدا … ورُدَّ حُقوقَ الدِّينِ من كُلِّ غاصِب

وبادرْ عدوَّ الله عند اضْطِرابِهِ … وعاجِلْه بالبيضِ الرِّقاقِ القواضِب

إذا قيل أرضُ الله إرثُ عبادِهِ … بمُوجِب تقوى أنت أقْرَبُ عاصِب

ألَسْتَ من القومِ الذين إذا انْتَموْا … نَمَتْهُم إلى الأنصا غُرُّ المناسب

سماحَة َ إيمانٍ وإشراقَ أوْجُهٍ … وصِحَّة َ أحلام وغُرَّ مناقِب

إذا أشْرَقَتْ يومَ النّوالِ وجوهُهُم … رأيت البدُورَ في خِلال السَّحائب

ويا جبَلَ الفتحِ اعتمدْها صنيعة ً … رأينا بها كيف انجلاءُ الغياهب

إذا ما هباتُ الله كانتْ صحيفة ً … فما هي إلا سَجْدة ٌ في المواهِب