أشخاص – أدونيس

1

أحمدٌ…

تحت أهدابهِ نجومٌ

غير أنّ العناكب تنسج أحلامَهُ.

2

يَستضيء سليمانً، لكن بقوّتهِ النّابِذَه

حين قال: اهتديتُ، وأسلمَ أجفانَهُ

لِلضّياء الذي شَعَّ في بيتِه

كان وجه الفضاء غراباً على النافذه.

3

لم يقل قاسِمٌ: إنّ للحلم فأساً

قال: للحُلْمِ حَقْلٌ…

4

وردةٌ أجْهشَتْ بالبكاءْ

حين غطّى عليٌّ بأوراقِها وجهَهُ،

كان يبكي الطّيورَ التي هاجَرَتْ

ويُعزّي الفضاءْ.

5

فجأةٌ في تَقاطُع دربين، وَجْهٌ

هُوَ؟ لكنّه ماتَ، أو قيل ماتَ. ضجيجٌ

عرَباتٌ

وباعةُ خَسٍّ وتَبْغٍ،

أَأُناديهِ؟ ناديتُ وجهٌ

لم أميّز ملامِحَه، رَدّ… أهْلاً،

ما اسْمُهُ؟

ضجّةٌ ورصاصٌ فجأةً، وهديرٌ:

صوتُ نَقّالةٍ…

6

كُلَّ نَهارٍ…

يَسْتَيْقظُ قبلَ الشّمس، لينظرَ من شُرفَتِه

كيف يُحيّي الزّهْرْ

خطواتِ الفَجْر.

7

ما الذي يُدخل الفضاءَ لغرفتِهِ الدّاميهْ؟

نارُ أشلائِهِ العاليهْ.

8

إِعتذرْ

لِلدُّروب التي ضَلَّلَتْها

خطواتُكَ، واخْضَعْ

لِلظّلام النَبِيّ

أكثرُ من مارقٍ أنتَ في هَوْلِ معراجكَ العربيِّ.

9

لا المداراتُ، لا اللّغة النّافره

مِن جراح المدينةِ أَغْوتكَ، أسلمتَ لِلّحظة العابِره

خطواتِكَ،

لا شيءَ غيرُ الطّرائِدِ في غابةِ الذاكرهْ.

10

جسمكَ الآنَ قِنديلُ ظنٍّ

والمكان يموجُ من الرُّعبِ، عيناكَ لا تُغمضانْ

خوفَ أن يهربَ المكانْ.

11

لا أُريدكَ أنْ تتحدّثَ أو أن تلوّح: أبْهَى

أن تَظَلَّ غياباً

كي تظلّ سؤالاً.

12

كان هذا مَمَراً إلى بيتها، كثيراً

خبّأتْنا شجيراتُه، ورسمنا

في تقاطيعهِ خُطانا،

وهنا كان مروان يجمع أصحابَهُ..

مات ميثاقهم وماتوا

وامّحت هذه العتَباتُ.

13

أخذوهُ إلى حفرةٍ، حرقوهُ

لم يكن قاتلاً، كان طِفْلاً

لم يكن… كان صوتاً

يَتموّجُ ، يعلو مع النّار، يَرْقى على دَرَجات الفضاءْ

وهُوَ، الآنَ، شَبّابَةٌ في الهواءْ.

14

ليس منديلُها لِيُلَثَّمَ وجهاً

أو يردَّ الغبارَ، وليس لكي يمسحَ الدّمعَ ، منديلُها

طَبقُ الخبز والجبن والبيضِ، وهو لِحافٌ

لِرشّاشِها،

كان منديلُها رايةً…

15

تَرَكَ القافله

ومزاميرَها وهواها،

مُفْرَدٌ، ذابِلٌ

جذبتهُ إلى عِطرها

وردةٌ ذابله.

16

ستَظلُّ صديقي

بين ما كان، أو ما تَبقّى

بين هذا الحطامْ،

أيُّهذا البريقُ الذي يلبس الغيمَ، يا سيّداً لا ينامْ.

17

لا يَلمَحُ غيماً، لا يلمح ناراً

مِن أين إذنْ، سَيجيء الماءْ؟

أيجرّ خطاه مع الكلمات، ويتبع قافلةَ الأشياءْ؟

18

أخذت ما تيسّر من خبزها / كان طفلٌ

يتلهّى بعكّازها

ويدبّ على قدمَيْها،

حملته كجوهرةٍ، غَمَرتْهُ

ورمت فوقَهُ وجْهَهَا

ومَضَتْ تتوكّأُ / عُكّازُها

إرثُها من أبٍ

مات قَتْلاً…

19

أَلنّهار رغيفٌ

والمساءُ إدامٌ لهُ،

أَلمساءُ رغيفٌ

والنهارُ إدامٌ لهُ

ورقٌ يتقلّب في ريحِه /

سيكونُ الشتاء طويلاً

سيموت الربيعُ بلا أُغنياتِ،

إنّ هذا رثاءٌ لليلى التي لم تمُتْ…

20

أحداً كنتَ أو لا أحدْ

وَمْضَةً أو رماداً

بين أشلاء هذا الزمانِ، سَواءٌ قُذِفْتَ إلى ظُلمَةِ القاع،

أو غَمرَتْك جبال الزّبَدْ،

نكهةُ الفَجْرِ أنتَ، وضوء المسافاتِ أنتَ، وهذا المدى

لشموسك ، هذا الصّدى

لأغانيك، صوْتي في غَصّةٍ، ورياحيَ مخنوقةٌ،

وأغنّيك وجهكَ وجهك، لكنّ موتك مَوْتي

غير أنّيَ في نَزْفِ جُرْحِكَ، في نار أوجاعِهِ أتفجّرُ،

أجلو لنفسيَ نفْسي

ويُصالح بيني وبين حياتي معراجك الدّمويُّ

وأهاجِرُ مثلك بين الفجيعة والفَتْكِ، والرّعبُ

يُوغل في خطواتِك في خطواتيَ،

والموتُ صيّادنا العربيُّ.

مُتَّ لكنّك الآن أنشودتي ورفيقي

وأنا لست منك، ولكنّني أنْتمي لهديركَ، للعاصِفِ

المتموّج في ساعدِيْك

وطريقُك ليستْ كما أتنوّرُ، لكنّها طريقي

وأنا الآن أقربُ مِنّي إليكْ.

وأنا حين أرنو لموتِك ، أسأل : هل قدمايَ على الأرض؟

هل جسدي راسخٌ؟

أم تُرى عالِقٌ في فضاءِ من الرُّعبِ، مستسلماً

أتدلّى؟

وأنا حين أرنو لموتِكَ أسأل: هل أنت أقربُ منّي إليْ؟

وأسائِلُ: هل وطني هذه الأرض، أم وطني موتُك

الأبجديْ؟

لنقلْ: بيننا عَهْدُ نسْغٍ

وطريقٌ من الجّذْرِ حتّى الثّمَرْ

لنقُل: كلُّ ما كان بين العجينَة والخالق انكسَرْ

ولنقلْ: نبدأُ الآنَ من هجرة الرّيحِ في غابةِ الشّرَرْ

وَلْنَسِرْ، لا لهذا المكان، ولا ذلك المكانْ

لِنَسِرْ، حيثُ لا شيء إلا الطريقُ وإلا الرّهانْ

أنّنا طقَةُ الجَذْبِ والنَّبْذِ أنّ رؤانا

وخُطانا مدارٌ

لأساطير هذا الزمانْ.

0