أشارت غداة البين من خلل السجف – لسان الدين الخطيب

أشارت غداة البين من خلل السجف … بناظرتي ريم وسالفتي خشف

وأبصرت التوديع حقا فلم تطق … غداتئذ كتما لبعض الذي تخفي

أماطت عن الخد اللثام فأطلعت … هلالا على غصن وغصنا على حقف

وقالت لأتراب لها قمن دونها … فقائلة سحي وقائلة كفي

أخلاي هل طعم أمر من النوى … وأفظع خطبا من مفارقة الإلف

ولم تك إلا ساعة وتسنمت … ظهور المطايا كل فاتنة الطرف

ودارت على الركب الصوارم والقنا … وجرد المذاكي من أمام ومن خلف

أمالوا السرى قصد العراق وأزمعوا … على مهمة تسفي به الريح ما تسفي

ودل عليهم من تخلف منهم … بما أودعوا طيب النسيم من العرف

فلا عهد إلا بالخيال وبالمنى … ولا وصل إلا بالرسائل والصحف

بكيت دما حتى توهم صاحبي … بأني غداة البين أرعف من طرفي

وكم رمت أن يجدي البكاء فلم يكن … ليجدي ورجعت الحنين فلم يشف

أيا قاتل الله الغواني فإنما … طلاب الردى وقف على ربة الوقف

تغادو ذا الجأش القوي جفونها … ضعيف انتصار وهي بينة الضعف

إذا ما غرسن الوعد في روضة الهوى … جنيت على أغصانه ثمر الخلف

ترى من أحل الغدر وهو محرم … وحرم غصن الأقحوان على الرشف

سأصرف عن قلبي مساعدة الهوى … فقد كان في حولين من ذاك ما يكفي

وأذهب من صبري إلى كل مذهب … وكل كريم لا يقيم على خسف

وأفزع من دهري إلى ظل يوسف … فلله من ركن منيع ومن كهف

زجرت القوافي والمطايا شواردا … إلى واحد في الروع يغني عن الألف

وقور إذا الأبطال طاشت حلومها … وأقدم في الهيجاء صفا إلى صف

إذا ذكر الأملاك يوما فيوسف … لما شئت من جود وما شئت من عطف

وبالسيف سفاح وبالهدي مهتد … وبالرعب منصور وبالله مستكف

هو الدهر لكن عدله وسماحه … يرد صروف الدهر راغمة الأنف

هو البدر إلا أنه الدهر كامل … إذا صيب نور البدر بالنقص والخسف

من العرب الشم الأنوف إذا احتبوا … تبوأت في جار مجير وفي حلف

كرام إذا ما الغيث في الأرض لم يكف … بصوب حيا كانت أكفهم تكفي

فإن حملوا أقنوا أو استصرخوا حموا … وإن بذلوا أغنوا عن الديم الوطف

وإن مدحوا اهتزوا كما هبت الصبا … على كل ممطور من البان ملتف

وأن سمعوا اللغو فروا بأنفس … كرام السجايا لا تفر من الزحف

لعمري لئن هاجت عزائمك العدا … كما بحثت عن حتفها ربة الظلف

وغرتهم الحرب السجال وقلما … يدل غرور القوم إلا على الحتف

فقد آن أخذ الدين منهم بثأره … وما كان جفن الدين في مثلها يغف

ودون مهب العزم كل مهند … وخطية سمر وفضفاضة زغف

وأسد غضاب إن تذكرن يومها … عضضن بأطراف البنان من اللهف

أمولاي زارتك القوافي كأنها … هدايا تهادتها القيان إلى الزف

عليها عقود من ثنائك نظمت … مناسبة التأليف محكمة الرصف

أتاك بها النيروز معترفا بما … لملكك فيه من نوال ومن عرف

فهنيته والدهر طوعك والمنى … توافي بما تهواه ضعفا على ضعف

تمهدت الدنيا بملكك بعدما … أقامت زمانا لا تفر من الرجف

ورضت صعاب الدهر وهي شوامس … فذللتها من غير جهد ولا عنف

وكم صرف التأميل نحوك آمل … فصيرته بالعدل ممتنع الصرف

وكم من يد أوليتنيها كريمة … يقل لها نظمي ويعي بها وصفي

فأسبابك الوثقى وصلت بها يدي … ونعمتك الكبرى ملأت بها كفي

فإن أنا لم أمحضك مني بخالص … من الود صاف في قراراته صرف

وآت ببحر المدح فيك لغاية … ترى دونها الأبصار حاسرة الطرف

فلا ضاع معنى يستضاء بنوره … جناني ولا خطت بناني في حرف