أديرا كئوسَ الرَّاحِ ، قَد لمعَ الفَجرُ – محمود سامي البارودي

أديرا كئوسَ الرَّاحِ ، قَد لمعَ الفَجرُ … وصاحَت بِنا الأطيارُ أن وجبَ السُّكرُ

أما تريانِ اللَّيلَ كيفَ تسللَت … كَوَاكِبُهُ لِلْغَرْبِ، وَانْحَدَرَ النَّسْرُ

فَقُومَا انْظُرَا ما يَصْنَعُ الصُّبْحُ بِالدُّجَى … فإنِّى أرى ما ليسَ يبلُغُهُ الذِّكرُ

أرى أدهماً يتلوهُ أشهبُ طارِدٌ … كِلا الْفَرَسَيْنِ اغْتَالَ شَأْوَهُمَا الْحُضْرُ

وقَد حنَّتِ الأطيارُ فى وكُناتِها … وقَامَ يُحيِّينا على سَاقهِ الزَهرُ

وأصبَحتِ الغُدرانُ تَصقلُها الصَبا … وَيَرْقُمُ مَتْنَيْهَا بِلُؤْلُئِهِ الْقَطْرُ

تَرِفُّ كما رفَّت صحائفُ فِضَّة ٍ … عَليهِنَّ مِن لألاءِ شمسِ الضُحى تِبرُ

كَأَنَّ بَنَاتِ الْمَاءِ تَقْرَأُ مَتْنَهَا … صَبَاحاً، وَظِلُّ الغُصْنِ لاَحَ بِها سَطْرُ

عَصَائِبُ حَوْلَ الْمَاءِ يَدْرِمْنَ هُتَّفاً … بِلحنٍ له فى كُلِّ سامِعة ٍ أثرُ

إذا صَرصَرَ البازى تلبَّدنَ بِالثرَى … مِنَ الرُعبِ حتَّى لا يَبينُ لَها صَرُّ

يُسَارِقْنَهُ حَتَّى إِذَا غَابَ ظِلُّهُ … عَنِ الْمَاءِ عَادَ اللَّحْنُ، وَانْتَشَرَ الْهَدْرُ

تَرَاهُنَّ أَسْرَاباً عَلَى الْمَاءِ حُوَّماً … يُقرِّبها ظِمءٌ ، ويُبعدُها ذعرُ

تَروحُ وتغدو بينَ أفنانِ دوحَة ٍ … سَقَاهَا مِنَ الْوَسْمِيِّ مُسْتَوْكَفٌ غَزْرُ

لَهَا فِي نَوَاحِي الأُفْقِ لَفْتَة ُ أَصْيَدٍ … يَلُوحُ عَلَى أَطْرافِ عِرْنِينِهِ الْكِبْرُ

مَلاعِبُ لَهوٍ يَقصُرُ الطَرفُ دُونَها … وَدُنْيَا نَعِيمٍ لا يُحِيطُ بِها الْفِكْرُ

فيا صاحِبى نَجواى َ قوما لِشُربِها … ففى مِثلِ هذا اليومِ طابَت لنا الخَمرُ

وشَأنكُما فى الراحِ ، فالعيشُ والصِبا … إِذَا الرَّاحُ لَمْ تَخْفِرْهُمَا فَسَدَ الْعُمْرُ

خَبيئَة ُ قَوْم خَلَّفُوهَا لِغَيْرهمْ … خلَت دونَها الأيَّامُ ، واختَلَفَ العَصرُ

فجاءَت كَمِصباحِ السَماءِ مُنيرة ً … إذا اتقدَت في الكأسِ سارَ بِها السَفرُ

وإن أنتما غنَّيتمانى فَلتَكُن … أَنَاشِيدَ يَهْفُو دُونَ تَسْماعِها الصَّبْرُ

أَنَاشِيدَ فِيها لِلْمَلِيحَة ِ وَالْهَوَى … مَعاذيرُ أحوالٍ يَلينُ لَها الصَّخرُ

لَعلَّ هواها أن يعودَ كما بَدا … رَخِيَّ الْحَوَاشِي قَبْلَ أَنْ يَنْشَبَ الْهَجْرُ

مِنَ الْبِيضِ، مَيْسَانُ الْعَشِيَّاتِ، غَادَة ٌ … سَلِيمَة ُ مَا تَحْوِي الْمَعَاقِدُ وَالأُزْرُ

إِذَا سَفَرَتْ وَالْبَدْرُ لَيْلَة َ تِمِّهِ … ولاحا سَواءً ، قيلَ أيُّهُما البَدرُ ؟

لها لَفتة ُ الخشفُ الأغنِّ ، ونَظرة ٌ … تُقصِّرُ عن أمثالِها الفَتكَة ُ البِكرُ

تَرُدُّ النُّفُوسَ السَّالِماتِ سَقِيمَة ً … وَتَفْعَلُ مَا لاَ تَفْعَلُ الْبِيضُ وَالسُّمْرُ

خَفضتُ لَها مِنِّى جناحَى مودَّة ٍ … وَدِنْتُ لِعَيْنَيْهَا كَمَا حَكَمَ الدَّهْرُ

عَلى أَنَّ مَا بَيْني وَبَيْنَ عَشِيرِهَا … قَوارِعُ سوءٍ لا ينامُ لَها وِترُ

فيا ربَّة َ الخَلخَالِ رفقاً بِمُهجَتى … فَبِالْغَادَة ِ الْحَسْنَاءِ لاَ يَحْسُنُ الْغَدْرُ

وَبُقْيَا عَلى قَلْبِي، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ … سِوَى حُبِّ ” عبدِ اللهِ ” كانَ لَهُ عُذرُ

أخى ، وصَديقى ، وابنُ ُدِّى ، وصاحِبى … وَمَوْضِعُ سِرِّي حِينَ يَعْتَلِجُ الصَّدْرُ

هُوَ الصَّاحبُ الْمَشْكُورُ فِي الْوُدِّ سَعْيُهُ … وَمَا خَيْرُ وُدٍّ لَيْسَ يَلْحَقُهُ شُكْرُ؟

أمينٌ على غيبِ الصَّديقِ إذا ونَت … عُهودُ أُناسٍ ، أو تطرَّقها فَترُ

فَلا جَهْرُهُ سِرٌّ، وَلاَ سِرُّ صَدْرِهِ … إِذَا امْتَحَنَ الْوَاشِي ضَمائِرَهُ جَهْرُ

يَدِبُّ على المَعنى الخَفِى ِّ بِفِكرة ٍ … سواءٌ لديها السَهلُ فى ذاكَ والوَعرُ

لَهُ الْبُلْجَة ُ الْغَرَّاءُ يَسْرِي شُعَاعُهَا … إذا غامَ أفقُ الفَهمِ ، والتبسَ الأمرُ

تَزاحمُ أفواجُ الكَلامِ بِصدرهِ … فَلَوْ غَضَّ مِنْ صَوْتٍ لَكَانَ لَهَا هَدْرُ

لَهُ قَلَمٌ لَوْلاَ غَزَارة ُ فِكْرِهِ … لَجَفَّتْ لَدَيْهِ السُّحْبُ، أَوْ نَفِدَ الْبَحْرُ

إِذَا اخْتَمَرَتْ بِاللَّيْلِ قِمَّة ُ رَأْسِهِ … تفجَّرَ من أطرافِ لِمَّتِها الفَجرُ

إِلَيْكَ ابْنَ بَطْحَاءِ الْكَلامِ تَشَذَّرَتْ … بِركبِ المعانى لا يُكفكِفُها الزَجرُ

قلائصُ لا يَرعَينَ عازِبة َ الكلا … وَلاَ يَسْتَبِقْنَ الْمَاءَ إِنْ فَاتَهَا الْعِشْرُ

وَمَا هُوَ إِلاَّ الشِّعْرُ سَارَتْ عِيابُهُ … وفى طَيِّها من طيبِ ما ضُمِّنَت نَشرُ

فَأَلْقِ إِلَيْهِ السَّمْعَ يُنْبِئْكَ أَنَّهُ … هُوَ الشِعرُ ، لا ما يدَّعى الملأُ الغَمرُ

يَزيدُ على الإنشادِ حُسناً ، كأنَّنى … نَفَثْتُ بِهِ سِحْراً، وَلَيْسَ بِهِ سِحْرُ

فَدُمْ لِلْعُلا، وَالْعِلْمِ، وَالْحِلْمِ، والتُّقَى … وَنَيْلِ الْمُنَى مَا أَوْرَقَ الْغُصُنُ النَّضْرُ